تخيل معي للحظة. مفاعل بحجم غرفة معيشة، لا يصدر أي دخان، ولا ينتج أي نفايات نووية خطيرة، وقوده مستمد من الماء. هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي، بل هو الواقع الذي يراهن عليه عمالقة التكنولوجيا والمليارديرات مثل سام ألتمان وبيتر ثيل. إنها "صيغة الأزل"، الطاقة التي تشغل الشمس والنجوم منذ مليارات السنين، وهي الآن على وشك أن تتجسد هنا على الأرض. لكن هل نحن حقاً على أعتاب حل أزمة الطاقة إلى الأبد، أم أننا على وشك فتح صندوق باندورا جديد من التحديات؟
الاندماج النووي: إعادة تعريف المستحيل
لعقود طويلة، كان الاندماج النووي بمثابة الكأس المقدسة في عالم الطاقة. الفكرة بسيطة نظرياً: دمج نواتين ذريتين خفيفتين لتكوين نواة أثقل، مما يطلق كمية هائلة من الطاقة. هذا هو عكس الانشطار النووي المستخدم في المفاعلات الحالية، والذي يقوم على شطر ذرات ثقيلة، مخلفاً وراءه نفايات مشعة تدوم لآلاف السنين. الاندماج، بالمقابل، نظيف وآمن بشكل لا يصدق. لكن الصعوبة تكمن في التطبيق. كيف يمكنك أن تحاكي الظروف الموجودة في قلب الشمس - حرارة وضغط هائلين - داخل آلة من صنع الإنسان؟
لسنوات، كان الجواب "لا يمكنك". كانت محاولات تحقيق "اشتعال" مستدام (حيث ينتج التفاعل طاقة أكثر مما يستهلك) تبوء بالفشل. لكن شيئاً ما تغير في السنوات الأخيرة. لم يعد الأمر مقتصراً على المشاريع الحكومية العملاقة مثل مفاعل "ITER" الدولي في فرنسا. لقد دخلت الشركات الخاصة، بتمويلات ضخمة ورؤى جريئة، إلى الحلبة لتغيير قواعد اللعبة.
عمالقة وادي السيليكون يراهنون على شمس مصغرة
في قلب هذا السباق المحموم، تبرز شركتان بشكل خاص: Helion Energy و TAE Technologies. هاتان الشركتان لا تسعيان فقط لتحقيق الاندماج النووي، بل تسعيان لتحقيق نسخة متقدمة منه تُعرف بالاندماج "اللا نيوتروني" (Aneutronic Fusion). هذه الطريقة لا تنتج نيوترونات عالية الطاقة، مما يعني عدم وجود إشعاع تقريباً، ويمكن تحويل الطاقة الناتجة مباشرة إلى كهرباء بكفاءة عالية جداً.
شركة Helion، التي استثمر فيها سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، مبلغاً ضخماً يصل إلى 375 مليون دولار، تستخدم وقوداً فريداً من الديوتيريوم والهيليوم-3. في عام 2021، حقق مفاعلهم الأولي "Trenta" إنجازاً تاريخياً بأن أصبح أول جهاز اندماج خاص يصل إلى درجة حرارة 100 مليون درجة مئوية - وهي درجة حرارة أعلى من قلب الشمس. واليوم، تعمل الشركة بكامل طاقتها على مفاعلها الجديد "Polaris"، الذي يهدف ليس فقط إلى تحقيق اشتعال صافٍ للطاقة، بل إلى توليد الكهرباء فعلياً بحلول عام 2024. الهدف ليس مجرد إثبات علمي، بل هو هدف تجاري بحت: إنتاج الكهرباء بتكلفة سنت واحد فقط لكل كيلوواط/ساعة.
على الجانب الآخر، لدينا TAE Technologies، المدعومة من Google وعائلة روكفلر، والتي جمعت أكثر من 1.2 مليار دولار حتى الآن. تتبع TAE مساراً مختلفاً قليلاً، حيث تستخدم وقوداً من الهيدروجين والبورون-11، وهو وقود متوفر بكثرة وغير مشع. مفاعلهم من الجيل الخامس، "Norman"، والذي تم تشغيله في كاليفورنيا، استطاع الحفاظ على بلازما مستقرة عند درجة حرارة تجاوزت 75 مليون درجة مئوية. والآن، هم يبنون مفاعلهم التالي، "Copernicus"، الذي من المتوقع أن يثبت جدوى تحقيق صافي الطاقة باستخدام هذا النهج "الصديق" للاندماج.
اللغز الأكبر: ما بعد تحقيق الاشتعال
يبدو الأمر مذهلاً، أليس كذلك؟ لدينا شركات على وشك توليد طاقة لا نهائية ونظيفة. لكن هنا يبدأ اللغز الحقيقي. تحقيق الاشتعال في المختبر شيء، وبناء محطات طاقة تجارية قادرة على تشغيل مدن بأكملها شيء آخر تماماً. التحديات المتبقية هائلة ومعقدة:
- الاستدامة والثبات: هل يمكن الحفاظ على تفاعل الاندماج مستمراً لساعات وأيام، وليس فقط لأجزاء من الثانية كما هو الحال الآن؟
- هندسة المواد: كيف تبني آلة يمكنها تحمل درجات حرارة أعلى من الشمس بشكل مستمر دون أن تذوب أو تتدهور؟
- الجدوى الاقتصادية: حتى لو نجحت التكنولوجيا، هل يمكن بناء هذه المفاعلات بتكلفة تجعلها منافسة لمصادر الطاقة المتجددة الأخرى مثل الطاقة الشمسية والرياح التي تنخفض تكلفتها باستمرار؟
- توفير الوقود: وقود مثل الهيليوم-3 نادر جداً على الأرض، والحصول عليه بكميات كافية (ربما من القمر في المستقبل) يمثل تحدياً لوجستياً هائلاً بحد ذاته.
إن السباق نحو طاقة الاندماج لم يعد مجرد تحدٍ علمي، بل تحول إلى لغز هندسي واقتصادي واستراتيجي. النجاح فيه لن يعني فقط الحصول على كهرباء رخيصة ونظيفة، بل سيعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للطاقة بالكامل، منهياً اعتمادنا على الوقود الأحفوري ومصادره المحدودة والمتقلبة. نحن لا نتحدث عن مجرد مصدر طاقة جديد، بل عن إمكانية إعادة برمجة الحضارة الإنسانية. السؤال لم يعد "هل يمكننا فعلها؟"، بل أصبح "ماذا سنفعل عندما ننجح؟" وهل نحن مستعدون حقاً لعصر "صيغة الأزل"؟ الإجابة قد تحدد مصيرنا لأجيال قادمة.